اسمه عمرو بن معد يكرب الزبيدي وهو الصحابي الجليل والشاعر الكبير وفارس العرب، اعتنق الاسلام ولكنه ارتد عنه بعد وفاة الرسول (ص) ثم عاد الى الاسلام ثانية. اشتهر عمرو بقوته الخارقة وبشجاعته وفروسيته حتى لقّب بلقب فارس العرب وكان له سيف اسمه الصمصامة. التقى ذات يوم بالخليفة عمر بن الخطاب (ر) فقال له: أعرني سيفك يا عمرو! فلما اعاره اياه كانت بجانبه شجيرة فضرب الخليفة جذع الشجرة فلم يقطعها، فقال له: أهذا هو الصمصامة الشهير؟ قال عمرو: يا أمير المؤمنين: انما أعرتك السيف ولكنني لم أعرك الذراع التي تضرب بالسيف! شارك عمرو في معركتي اليرموك والقادسية في عهد أبي بكر الصديق وعهد عمر بن الخطاب في سوريا والعراق وكان لمشاركته أثر كبير في تحقيق النصر في هاتين المعركتين. وقصته في معركة القادسية مشهورة، فان قائد جيوش العرب في هذه المعركة كان سعد بن أبي وقاص. فلما حمي أوار المعركة وكان القائد الفارسي رستم قد جمع جيشا عرمرما لمواجهة جيش المسلمين العرب توجه سعد الى الخليفة عمر بن الخطاب وطلب أن يمده بالجنود. فما كان من الخليفة عمر الا أن أرسل له بعمرو بن معد يكرب وطليحة بن خويلد وأرسل معهما رسالة جاء فيها: لقد أرسلت لك ألفي جندي أي أن كل واحد من هذين البطلين يعد بألف جندي وذلك حسب رواية الطبراني، فكان النصر حليف الجيش العربي في تلك المعركة. ودخل عمرو بن معد يكرب على الخليفة عمر بن الخطاب فسأله السؤال التالي: يا عمرو! من أجبن جندي واجهت ومن أحيل الجنود – أي اكثرهم حيلة - ومن أشجع من واجهت في حروبك؟ فقال عمرو: نعم يا أمير المؤمنين: خرجت مرة أريد الغارة، فبينما أنا سائر اذا بفارس مشدود ورمح مركوز واذا رجل جالس كأعظم ما يكون من الرجال خلقا، وهو محتب بحمائل سيفه فقلت له: خذ حذرك فاني قاتلك! فقال: ومن أنت ؟ قلت: أنا عمرو بن معد يكرب الزبيدي، فشهق شهقة مات بعدها! فهذا يا أمير المؤمنين أجبن من رأيت. وخرجت مرة حتى انتهيت الى حيّ فاذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز، واذا بصاحبه في وهدة يقضي حاجته، فقلت: خذ حذرك فاني قاتلك! فقال: ومن أنت؟ فأعلمته بي! فقال: يا أبا ثور! ما أنصفتني! أنت على ظهر فرسك وأنا على الأرض، فأعطني عهدا أنك لا تقتلني حتى أركب فرسي! فأعطيته عهدا. فخرج من الموضع الذي كان فيه واحتبى بحمائل سيفه، وجلس فقلت: ما هذا ؟ فقال: ما أنا براكب فرسي ولا بمقاتلك فان نكثت عهدك فأنت أعلم بناكث العهد! فتركته ومضيت! فهذا يا أمير المؤمنين أحيل من رأيت! وخرجت مرة حتى انتهيت الى موضع كنت أقطع فيه الطريق فلم أر أحدا فأجريت فرسي يمينا وشمالا واذا أنا بفارس، فلما دنا مني، فاذا هو غلام حسن نبت عذاره من أجمل من رأيت من الفتيان وأحسنهم. واذا هو قد أقبل من نحو اليمامة، فلما قرب مني سلم عليّ ورددت عليه السلام وقلت: من الفتى؟ قال: الحارث بن سعد فارس الشهباء. فقلت: خذ حذرك فاني قاتلك! فقال: الويل لك! فمن أنت؟ قلت: عمرو با معد يكرب الزبيدي! قال: الذليل الحقي ؟ والله ما يمنعني من قتلك الا استصغرك، فتصاغرت نفسي، يا أمير المؤمنين، وعظم عندي ما استقبلني به. فقلت له: دع هذا وخذ حذرك فاني قاتلك، والله لا ينصرف الا أحدنا! فقال: اذهب، ثكلتك أمك، فأنا من أهل بيت ما أثكلنا فارس قط! فقلت: هو الذي تسمعه! قال: اختر لنفسك فاما أن تطرد لي، واما أن أطرد لك فاغتنمتها منه! وقلت له: أطرد لي! فأطرد وحملت عليه فظننت أني وضعت الرمح بين كتفيه فاذا هو صار حزاما لفرسه ثم عطف عليّ فقنع بالقناة رأسي وقال: يا عمرو: خذها اليك واحدة! ولولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك! قال: فتصاغرت نفسي عندي، وكان الموت يا أمير المؤمنين أحبّ اليّ مما رأيت! فقلت له: والله لا ينصرف الا أحدنا، فعرض عليّ مقالته الأولى فقلت له: أطرد لي! فأطرد فظننت أني تمكنت منه فأتبعته حتى ظننت أني وضعت الرمح بين كتفيه فاذا هو صار لببا لفرسه، ثم عطف عليّ فقنع بالقناة رأسي وقال: خذها اليك يا عمرو ثانية! فتصاغرت عليّ نفسي جدا، وقلت: والله لا ينصرف الا أحدنا فأطرد لي فأطردت حتى ظننت أني وضعت رمحي بين كتفيه فوثب عن فرسه، فاذا هو على الأرض فأخطأته فاستوى على فرسه وأتبعني حتى قنع بالقناة رأسي وقال: خذها اليك يا عمرو ثالثة، ولولا كراهتي لقتل مثلك لقتلتك! فقلت: أقتلني أحب اليّ ولا تسمع فرسان العر ب بهذا! فقال: يا عمرو! انما العفو عن ثلاث: واذا استمكنت منك في الرابعة قتلتك! وأنشد يقول: وكدت اغلاظا من الايمان ان عدت يا عمرو الى الطعان! لتجدن لهب السنان أو لا فلست من بني شيبان! فهبته هيبة شديدة، وقلت له: ان لي اليك حاجة! قال: وما هي ؟ قلت: أكون صاحبا لك! فقال: لست من أصحابي! فكان ذلك الأشد عليّ والأعظم مما صنع، فلم أزل أطلب صحبته حتى قال: ويحك أتدري أين أريد؟ قلت: لا والله! قال: أريد الموت الأحمر عيانا! قلت: أريد الموت معك! قال: امض بنا! فسرنا يومنا حتى أتانا الليل ومضى شطره فوردنا على حيّ من أحياء العرب. فقال لي: يا عمرو: في هذا الحيّ الموت الأحمر فاما أن تمسك عليّ فرسي وأنزل وآتي بحاجتي، واما أن تنزل وأمسك فرسك فتأتيني بحاجتي! فقلت: بل انزل أنت! فأنت أخبر بحاجتك مني، فرمى اليّ بعنان فرسه ورضيت والله يا أمير المؤمنين بأن أكون له سائسا، ثم مضى الى قبة فأخرج منها جارية لم تر عيناي أحسن منها حسنا وجمالا، فحملها على ناقة ثم قال: يا عمرو! فقلت: لبّيك! قال: اما أن تحميني وأقود الناقة أو أحميك وتقودها أنت!! قلت: لا بل أقودها وتحميني أنت، فرمى اليّ بزمام الناقة ثم سرنا حتى أصبحنا. قال: يا عمرو! قلت: ما تشاء ؟ قال: التفت فانظر! هل ترى أحدا ؟ فالتفتّ فرأيت رجالا فقلت: أغذذ السير ثم قال: يا عمرو: انظر ان كانوا قليلا فالجلد والقوة وهو الموت الأحمر، وان كانوا كثيرا فليسوا بشيء! فالتفتّ وقلت: هم أربعة أو خمسة! قال: أغذذ السير ففعلت. ووقف وسمع وقع حوافر الخيل عن قرب. فقال: يا عمرو! كن عن يمين الطريق وقف وحوّل وجه دوابنا الى الطريق ففعلت ووقفت عن يمين الراحلة ووقف عن يسارها ودنا القوم منا واذا هم ثلاثة أنفار شابان وشيخ كبير، وهو أبو الجارية والشابان أخواها، فسلّموا فرددنا السلام.؟ فقال الشيخ: خلّ عن الجارية يا ابن أخي! فقال: ما كنت لأخليها ولا لهذا أخذتها! فقال لأحد ابنيه: أخرج اليه! فخرج وهو يجرّ رمحه، فحمل عليه الحارث وهو يقول: من دون ما ترجوه خضب الذابل من فارس ملثّم مقاتل ينمى الى شيبان خير انما قد كان يسري نحوها بباطل ثم شد على ابن الشيخ بطعنة قدّ منها صلبه، فسقط ميتا، فقال الشيخ لابنه الآخر: أخرج اليه فلا خير في الحياة على الذلّ. فاقبل الحارث وهو يقول: لقد رأيت كيف كانت طعنتي والطعن للقرم الشديد همّتي والموت خير من فراق خلتي فقتلتي اليوم ولا مذلّتي ثم شدّ على ابن الشيخ بطعنة سقط منها ميتا. فقال له الشيخ: خلّ عن الظعينة يا ابن أخي، فاني لست كمن رأيت! فقال: ما كنت لأخليها، ولا لهذا قصدت. فقال الشيخ: يا ابن أخي: اختر لنفسك، فان شئت نازلتك وان شئت طاردتك، فاغتنمها الفتى ونزل فنزل الشيخ وهو يقول: ما أرتجي عند فناء عمري سأجعل التسعين مثل شهر تخافني الشجعان طول دهري ان استباح البيض قسم الظهر فأقبل الحارث وهو ينشد: بعد ارتحالي ومطال سفري وقد ظفرت وشفيت صدري فالموت خير من لباس الغدر والعار أهديه لحيّ بكر ثم دنا فقال له الشيخ: يا ابن أخي: ان شئت ضربتك فان أبقيت فيك بقية فاضربني وان شئت فاضربني، فان أبقيت بقية ضربتك فاغتنمها الفتى وقال: أنا أبدأ! فقاتل الشيخ: هات! فرفع الحارث يده بالسيف، فلما نظر الشيخ أنه قد أهوى به الى رأسه ضرب بطنه بطعنة قدّ منها أمعاءه ووقعت ضربة الفتى على رأس الشيخ فسقطا ميتين. فأخذت يا أمير المؤمنين أربعة أفراس وأربعة أسياف ثم أقبلت الى الناقة فقالت الجارية: يا عمرو: الى أين ولست بصاحبتك ولست لي بصاحب ولست كمن رأيت! فقلت: اسكتي! فقالت: ان كنت لي صاحبا فأعطني سيفا او رمحا فان غلبتني فأنا لك وان غلبتك قتلتك! فقلت: ما أنا بمعط ذلك، وقد عرفت أهلك وجراءة قومك وشجاعتهم فرمت نفسها عن البعير ثم أقبلت تقول: أبعد شيخي ثم بعد اخوتي يطيب عيشي بعدهم ولذّتي وأصحبن من لم يكن ذا همّة هلا تكون بعد ذا منيتي ثم أهوت الى الرمح وكادت تنزعه من يدي، فلما رأيت ذلك منها خفت ان ظفرت بي قتلتني فقتلتها! فهذا يا أمير المؤمنين أشجع من رأيت!