تحتوي السخرية في الأدب على توليفة من النقد، والهجاء والتلميح، واللماحية، والتهكم والدعابة، وذلك بقصد التعريض بشخصٍ ما، أو فكرة، او أيّ أمرٍ، ومحاولة تعريته من خلال إبراز الثغرات والسلبيات وما فيه من قصور أو نقصٍ ما، وبالتالي فإن الأدب الساخر يهدف الى التصحيح على الصعيدين الأخلاقي والجمالي معًا. وتعتبر السخرية من الأسلحة الخطيرة في يد الناقد حيث يقوم بالتحليل الأدبي والفني للأعمال المختلفة للأديب أو الفنان مما يجعل للسخرية إمكانية تحطيم الجسور القائمة بين النقد والفن، وبهذا لا يتم استفادة كل منهما من الآخر.
ويعتمد الكاتب الساخر دائمًا على سلاح التهكّم المستنير المبطّن، المفعم بالغمز والهمز واللمز والتلميح، الذي يصل احيانا الى التجريح، وإن لجأ الى الأساليب الذكية التي تجذب المتعاطفين معه ومع فكره ضد خصومه المستهدفين لهجومه ونقده. وليس بالضرورة أن تحمل كل الكتابات الساخرة الهجاء الشديد وروح الاستهزاء، بل كثيرًا ما يعمد الكاتب الساخر الى المواجهة والتناقض في رفض وتفنيد بعض المفاهيم والعقائد البالية، وكشف بعض الأنماط البشرية الحقيرة التي تثير الامتعاض والاشمئزاز والاستياء، وذلك بمقارنتها مع الأفكار التقدمية العلمية المستنيرة التي خرجت بالبشرية من عهود الجهل والانحطاط، ومقارنتها أيضًا بروّاد المُثل العليا في كافة المجالات الانسانية.
وةتجدر الاشارة هنا الى أن هناك فقرات في التوراة وأشعار هوميروس الملحمية تتميز بروح السخرية الواضحة، الا أن اول الكتابات الساخرة الجديّة كانت للكاتب الروماني لوسيلياس باللاتينية الذي حاول أن يستخدم السخرية في سبر أغوار النفس البشرية بهدف مكافحة كل ما يقف في وجه العقل الانساني من الوصول الى الصواب في تقدير الامور، وتبعه في ذلك هوراس من خلال قصائده الساخرة من الانماط والأفكار الشائعة في عصره.
وفي العصور الحديثة، برزت الكتابات الساخرة من خلال الرواية في أعمال سيرفانتس، وسويفت، وفولتير وغيرهم حيث ظهرت السخرية اللاذعة أو المعتدلة في مواقفهم وشخصياتهم لتبرز وتجسّد الضعف الانساني في لحظات التخاذل والخنوع، والوهم، والغرور، وخداع النفس.
ومن المهم الاشارة الى ان فن السخرية كان منذ البداية يهدف الى إصلاح المجتمع وتطويره، من خلال إثارة الضحك أو الابتسام في أبسط الأحوال لا سيما حين يكون الهدف من ذلك تعرية الرذائل الاجتماعية مثل النفاق كما في مسرحية "طرطوف" لموليير، أو ترسيخ نظام فلسفي معين كما في قصة "كانديد" لفولتير. والسخرية يمكن أن تأخذ طابع الجديّة وصبغة الهزل من خلال أساليب متعددة تستخدم في أي شكل من الأشكال الأدبية والفنية. وكثيرًا ما يتم في السخرية الإسقاط والغمز والتلميح لتناول الموضوعات اليومية وخصوصًا السياسية منها كانتقاد ومهاجمة شخصيات انتهازية وانهزامية واستغلالية حقيرة وصلت الى مآربها بطرق ملتوية أو رخيصة غالبًا. وكل ذلك نابع من كون السخرية تلجأ الى مهاجمة الفساد باستعمال سلاح الهجاء الواضح بعد ان تصبح اساليب التورية، والتلميح، والغمز واللمز غير فعالة في تحقيق هدفها المنشود. ويجب ان يتوافر في فن السخرية اللماحية والتلميح الذكي بأدنى حدٍ من التجريح بحيث يشارك القارئ أو المتلقي الكاتب الساخر الضحك من سلبيات الشخصية المسخور منها والواقعة تحت هجوم الكاتب الذي يمنح نفسه الإحساس بالتفوّق عليها. ولا يعني ذلك ان السخرية تكون دائمًا مثيرة للضحك، لانها احيانًا يشوبها المرارة، خصوصًا عندما تكون بهدف مهاجمة الجوانب المظلمة للمجتمع، وقد تثير السخرية في مثل هذه الاحوال الابتسام، لكنه ابتسام مرير ساخر من أوضاع المجتمع السلبية. وعندها تكون الابتسامة الساخرة مصحوبة بالأسى والهمّ مع انها تمنح صاحبها المشاعر نفسها بالتفوق والسيادة.
ويعتبر كثير من كبار النقّاد في العالم العربي السخرية بأنها أرقى أنواع الفكاهة لأنها تحتاج الى الذكاء والدهاء، وهي لذلك من ادوات الفلاسفة والكتّاب الذين يسخرون من بعض العقائد والخرافات، ويتم استخدامها من جانب الساسة للاستهزاء والمساس بخصومهم. وكان فن السخرية قد ترسّخ في الأدب العربي على يدي الجاحظ في القرن الثامن الميلادي حيث شكّل كتابه "البخلاء" معْلمًا بارزًا في فن السخرية بايراده قصصًا متنوعة وعديدة عن البخل والبخلاء، علاوةً على ما جاء في كتبه الأخرى من روح السخرية الظاهرة والخفيّة. وقد كانت سخرية الجاحظ أداة للتعمق في الأشياء، وإلقاء الضوء على عيوب المجتمع والأفراد. وقد "كان الجاحظ في سخرياته يعتمد على إبراز الصورة كما يراها الرائي، وكما يرسمها المصوّر الماهر، مستشفًا الحركات الشعورية، متغلغلا في الخفايا النفسية، مستبطنا للإحساسات الخفية، ملاحظًا الصلة بينها وبين الحركات الظاهرية".
وفي العصر الحديث نجد ادب مارون عبّود يميل في كثير من الأحيان الى السخرية الهادفة حيث تغلب عليه الروح الجاحظية. ولقد اتجه مارون عبّود هذه الوجهة في رسم شخصيات أقاصيصه ورواياته، وغايته فنيّة كاريكاتورية يحاول فيها ولوج دخائل النفس البشرية وعوالمها النفسية وانعكاساتها.
وفي أدبنا المعاصر، تبرز السخرية واضحة في أدب الكاتب إميل حبيبي، "فالسخرية لديه ليست مجرد أسلوب يهدف الى إمتاع القارئ بإضحاكه، ولكنه يهدف الى الكشف عن تركيبة الواقع الذي يصعب على الكاتب أن يراه كمساحة من القناعة الصرفة أو الهزل الخالص"، ويقول إميل حبيبي ان لجوءه الى الأدب الساخر يعود الى أمرين: اولهما أنه يرى في السخرية سلاحًا يحمي الذات من ضعفها، وثانيهما انه يرى فيها تعبيرًا عن مأساة هي أكبر من ان يتحملها ضمير الانسانية.
وهكذا، وكما يراها بعض النقّاد، فإن "السخرية قائمة على فكرة المقابلة بين الحق والباطل، او بين الصدق والكذب، او بين الصحة والزيف، أو بين الكمال والنقص، أو بين الطبع والتكلّف، وبعبارة مختصرة بين ما يكون وما ينبغي ان يكون".
(كفرياسيف)
د. منير توما *
الخميس 8/11/2007